كن نفسك بثبات، ولا تطعن نفسك في الظهر
أولًا، أنت وحدك تعرف
أنت وحدك تعرف كم قطعت من الطريق.
أنت وحدك تعرف مدى ضراوة المعارك التي خضتها.
أنت وحدك تعرف مدى سوء الوحل الذي شققت طريقك عبره.
أنت وحدك تعرف اللحظات التي تألقت فيها طبيعتك الأصيلة بكل نورها.
أنت وحدك تعرف كم عشت من أهوال وصراع مؤلم في أوقات بدت للآخرين عادية.
أنت وحدك تعرف الصدمات والآلام التي نشأت منها جوانبك المظلمة، وما فعلته للتسامي بها وتخليص نفسك.
أنت وحدك تعرف نحيبك الصامت.
أنت وحدك تعرف مدى صدقك وإخلاصك تجاه الناس والأمور والعالم.
أنت وحدك تشهد تلك الابتسامة المتفهمة في لحظات التواصل العميق.
أنت وحدك تعرف شجاعتك وثقتك بنفسك.
أنت وحدك تعرف كم أنت مذهل.
كنت في الماضي أضعف بكثير مما أنت عليه الآن، وكانت تنقصك معارف وموارد كثيرة. ومع ذلك، واجهت تجارب مؤلمة ومرعبة يصعب حتى على ذاتك الحالية التعامل معها، وقد نجحت ذاتك الماضية في تجنيبك إياها.
ثانيًا، أنت شاهد العيان الوحيد على نفسك، وقاضيها ومحررها
أنت شاهد العيان الوحيد على نفسك. وأنت أيضًا القاضي الوحيد القادر على إنصافك من مظالمك الدفينة، وإظهار الحقيقة، وإطلاق سراحك من جحيم لا تنقطع عذاباته.
إن نظرة العالم، ونظرة الآخر الكبير، نظرة آلية. يستحيل أن تعاينك نظرة الآخرين على حقيقتك. وحدها نظرتك إلى نفسك تحمل الإمكان النظري لرؤيتك كما أنت، ووحدها قد تفتح الطريق إلى الطاو. في الحياة قضايا عالقة وملتبسة لا تُحصى، ولا أحد سواك يستطيع حلها. وإذا اكتفيت، بقسوة، بتغليظ الحكم كلما ساورك الشك، فستقضي عمرك تتجرع ظلمًا لم ترتكبه.
أنت وحدك تستطيع إطلاق سراح نفسك من سجن شاوشانك. أن تنفك عقدتك، وتتحرر. في اليوم الذي تنفك فيه، يتلاشى القفص. والسماء فسيحة، يطير فيها الطائر حيث يشاء.
لست شاهد عيان، ولست قاضيًا. بأي حق تحاكمونني؟
أنا وجود قائم بذاته، وجود بلا شروط. لم ينوِ الكون قط أن يضع للبشر أقفاصًا. السماء والأرض لا تحابيان أحدًا، وتعاملان الموجودات كلها ككلاب القش الطقسية. القفص هو هذه المرحلة من التطور التاريخي، مرحلة الملكية الخاصة والاغتراب.
ثالثًا، لا سبيل إلا أن تكون نفسك بثبات
الإنسان ذرة من ذرات الكون، تتشكل الحياة من تلاقي الظروف. للإنسان حياة واحدة فقط، وليس في هذه الحياة إلا أمر واحد: أن يكون نفسه. وليس في أن تكون نفسك إلا أمر واحد: عيش اللحظة الحاضرة.
فقط حين تكون نفسك بثبات، تستطيع أن تحيا ذاتك الحقيقية وتتحرر من الأنا الضيقة.
فقط حين تكون نفسك بثبات، يمكن لقناعاتك أن تتجلى، وتتغير أحوالك بتحول قلبك.
فقط حين تكون نفسك بثبات، تستطيع أن تكون على حقيقتك، وأن تبلغ خلو الذهن، وتنسجم مع الطاو، وتعيش اللحظة الحاضرة؛ فاللحظة الحاضرة هي الضفة الأخرى.
فقط حين تكون نفسك بثبات، تعرف موهبتك الفطرية وتعرف قدرك. الموهبة الفطرية هي القدر، والقدر هو الموهبة الفطرية.
فقط حين تكون نفسك بثبات، يصبح قلبك في خدمتك. يتحد القلب والروح، ويتحد الإنسان والسماء. الجلوس في النسيان، وصيام القلب، والتدفق، واتباع القلب، والتجوال الحر الطليق. حرية وطمأنينة.
فقط بالثقة بنفسك وحبها، تملك القدرة على الثقة بالآخرين وحبهم، ويكون هناك من يثق بك ويحبك. وفقط حين تعامل نفسك برحمة وصفاء فهم وعفوية، يمكنك أن تعامل الآخرين برحمة وصفاء فهم وعفوية.
وحده من يكون وفيًا وصادقًا مع نفسه يستطيع أن يكون وفيًا وصادقًا مع الآخرين.
رابعًا، لا تطعن نفسك في الظهر
إن لم تفخر بنفسك، وتؤمن بقناعاتك بثبات، وتحيا نفسك بثبات، فذلك خيانة لنفسك وقطع للتواصل معها.
لقد طعنت نفسي في الظهر مرات لا تُحصى؛ لم أشهد لصالحها، بل سايرت الآخرين في انتقاصهم منها وافترائهم عليها وتكالبهم عليها. ومع ذلك، غفرت مرارًا لا تُحصى لتلك الذات التي طعنتني في الظهر.
أن تكون نفسك، وأن تكون على حقيقتك، يحتاج إلى شجاعة. وقبل أن تنمو فينا الشجاعة ونتجاوز التردد والجبن، تظل طبيعتنا الأصيلة تنتظرنا. حتى في أشد لحظات الإنسان بؤسًا وانهيارًا، حين يطعن نفسه في الظهر، فإنه يظل يعتني بنفسه. لذلك لم ينهَر نور طبيعتنا الأصيلة قط. إن العودة إلى السكينة من الانهيار والمعاناة، وانبعاث الروح من النار، طبيعة أصيلة يُظهرها البشر منذ الرضاعة. وطبيعتنا الأصيلة تتلقفنا دائمًا أسفل الهاوية.
تعرف الطبيعة الأصيلة أن ذلك الذي يطعن نفسه في الظهر ليس إلا منهارًا، وأنه لا يفعل سوى الدفاع عن نفسه من الانهيار بطريقة خرقاء وجاهلة.
من كان يتوقع أن الطبيعة الأصيلة تنطوي على الاكتمال الفطري؟ ومن كان يتوقع أن الطبيعة الأصيلة لا تتدنس ولا تتطهر، ولا تزيد ولا تنقص؟
أريد أن أتغنى بطبيعتي الأصيلة، لكنها لا تحتاج إلى تغنيي بها. أريد أن أصف الطبيعة الأصيلة، وهي تنظر إليّ برفق. الطاو الذي يمكن التعبير عنه ليس الطاو الدائم. والطاو يقتدي بما هو على سجيته.
إن احتواء تلك الذات التي تطعن نفسها في الظهر ورعايتها هو وفاؤك وصدقك مع نفسك. لذلك عليك أن تكون وفيًا وصادقًا مع نفسك.